كريم فريد: نعم، الإعلام المصري يوجهه السلاح

نعم, الإعلام المصري يوجهه السلاح

كريم فريد

كريم فريد: نعم, الإعلام المصري يوجهه السلاح

كريم فريد: نعم, الإعلام المصري يوجهه السلاح

الجمعة 14 مارس 2014 ..

بينما كنت غارقا بين ثنايا سريري, متمنيا أن يطول نومي قدر الإمكان ليستريح جسدي من إرهاق العمل; أفزعني صوت إطلاق رصاص متواصل قادم من خارج النافذة, مما دفعني لللنهوض مسرعا لأرى ماذا يحدث في الخارج.

وجدت رايات سوداء شبيهه بأعلام تنظيم القاعدة تعانق أخرى صفراء رسم عليها شعار “رابعة” الذي يتبناه أنصار الرئيس المعزول محمد مرسي, يخرج حامليها من شارع يجاور منزلي وسط عشرات يهتفون “البلطجية … مالهمش دية“, وجائني صوتهم ممزوجا بأصوات طلقات الرصاص التي كانت متواصلة.

أحضرت الكاميرا وبدأت التصوير , حينها قد توقف صوت الرصاص وأستمر الهتاف وبدأ صوت أحد الأشخاص يعلو عبر مكبرات صوت تحملها سيارة نقل يسير خلفها المتظاهرون, كان في صوته نبرة تهديد ووعيد لمن أسماهم بالبلطجية, قائلا ” يا أهالي المنطقة .. يا تطهروا أنفسكم منهم .. يا أحنا هنخلصكم منهم ” وتبعه هتاف لأنصاره ضد من اسموهم بالبلطجية وأنهم ليس لهم دية بمعنى أنهم يحلون دمهم بالقتل.

وصلت سيارات الشرطة وفر معظم المشاركين في المسيرة بأستثناء قلة منهم تبادلت إطلاق النيران مع قوات الأمن لعدة دقائق قبل فرارهم وتراجع الشرطة.

أوقفت التصوير وحملت نفسي إلى الشارع لأستطلع حقيقة ما جرى في البداية ممن شهدها, حدثني الشهود العيان عن نشوب مشاده بين أحد سكان المنطقة و عدد من المشاركين بالمسيرة, تطورت إلى تبادل إطلاق النار بين الأهالي مستخدمين أسلحة محلية الصنع, والمشاركين في مسيرة أنصار جماعة الإخوان مستخدمين بنادق آلية وبنادق خرطوش.

وبما أن حظي العثر جعلني صحفي مهمته نقل الحقيقة والصورة الكاملة إلى من يهتم برؤيتها, حاولت أن أرسم بالكلمات ما لم أتمكن من تصويره بالكاميرا, ومن هنا كانت بداية حملة التخوين والسب علي عبر مواقع التواصل الأجتماعي, والتي تتحول إلى مواقع “سب جماعي” في حال نشر أي شئ يمس جبهتي الاستقطاب الحالي في مصر, أنصار الإخوان وأنصار السيسي.

حاولت أن أنقل حقيقة ولكن دقات طبول الحرب كانت أعلى صوتا من الحقيقة, بعدما تحول المصريين إلى ثلاث جبهات, أنصار الإخوان وانصار المشير السيسي المرشح لرئاسة الجمهورية ومجموعة المنتصف التي لم ترقى بهم أعدادهم لأن يكونوا جبهة, فتدعسهم أقدام الجبهتين الأخرتين طالما ما يقولونه لا يخالف ما يريدونه, مرسخين لمبدأ ” من ليس معي فهو عدوي”..

 


منتصف صيف 2013 .. 

“واستناداً إلى الشهادات الأولية وغيرها من الأدلة التي قمنا بجمعها بأنها لا تدع مجالاً كبيراً للشك في أن تصرفات قوات الأمن لم تولِ أي اعتبار للحياة البشرية على نحو صارخ، ولا بديل لإجراء تحقيقات وافية تتسم بالحيدة والاستقلالية على وجه السرعة”. قال فيليب لوثر، مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية. 

وأضاف معلقا على أحداث فض اعتصام أنصار الرئيس المعزول محمد مرسي بميداني النهضة ورابعة العدوية “بينما استخدم بعض المحتجين العنف، كان رد السلطات غير متناسب على نحو فظيع، وعلى ما يبدو فإنها لم تميز بين المحتجين الذين يستخدمون العنف، والمحتجين السلميين. ولم يسلم المتفرجون من عواقب استخدام العنف”.

ما حدث يوم 14 أغسطس, كان لا يمكن أن يوصف إعلاميا إلا بـ”المجزرة” ولكن تحت ضغط الخطاب المكارثي تجاهلت اغلب وسائل الإعلام سقوط عدد ضخم من الضحايا كانت التقديرات الأولية له مساء يوم 14 أغسطس تقدر بـ 600 قتيل حسب تقرير منظمة العفو الدولية.

لم يتوقف معظم الإعلاميين عند تجاهل سقوط عدد كبير من الضحايا خاصة أن من بينهم زملاء صحفيين مثل مصور سكاي نيوز عربية واستخدام الدولة للعنف المفرط تجاه مدنيين ولكن شنوا حملة تخوين ضد كل من رفض إراقة دماء المصريين آيا كان انتمائهم بهذا الشكل, فتم التنكيل بهم إعلاميا قبل أن تتحول الحملة إلى سعار شعبي يفترس كل معارض لسياسات السلطة الإنتقالية وخطواتها.

تلك الحادثة كانت مجرد البداية, كشفت الإعلاميين وصنفتهم, وفضحت وسائل الإعلام المصرية, التي تحولت في أحيان عدة من وجهة نظري إلى أداة في يد السلطة, تروج لمؤامرات عالمية على مصر, وتحارب أي صوت ينادي بحقوق الإنسان.

عن المؤامرات التي اختلقها ويروج لها الإعلام كتب الأديب علاء الأسوانيفى ظل نظرية المؤامرة لا وجود للرأى الآخر. هناك دائما رأى واحد يراعى مصالح الوطن، وهو بالطبع رأى الزعيم وكل من يحيد عنه أو يختلف معه مشكوك فى وطنيته، فهو إما طابورا خامسا للأعداء أو خلية نائمة للإرهابيين.”

وأضاف “ إن ما يحدث فى الإعلام المصرى الآن لا مثيل له فى العالم. لقد تحولت بعض برامج التليفزيون إلى جهات تحقيق ومحاكم تصدر أحكامها على الهواء، وتحول بعض المذيعين إلى وعاظ سياسيين يقضون ساعات لكى يلقنوا المشاهدين الخط الرسمى الصحيح، وفى نفس الوقت يمارسون تشويهاً لسمعة كل من يحمل رأيا مختلفا. إن حملات التشهير التى تتبناها فضائيات الفلول ضد كل من لا يؤيد السلطة قد انتهكت كل القواعد الأخلاقية والمهنية”

تلك المرحلة كانت الأسوء في تاريخ الإعلام المصري, كان الإعلام يحفل بمن يدعون لإبادة فئة من الفئات, ومن يحرضون على اللاجئين ويشيطنون شعوب صديقة تجمعنا معهم روابط جغرافيا وثقافية ودينية وقومية, كل ذلك من على منابر فتحت لدعم السلطة بتشكيل رأي عام مؤيد لأفعالها المتعارضة مع كل المواثيق الدولية.

وعلى الجانب الآخر, كانت هناك وسائل إعلامية تابعة لجماعة الإخوان تبث كل ما هو مبالغ فيه مما ينسف أستعداد الشخص المحايد لإستقبال المعلومة والتفاعل معها, وكان أبرز مثال وقت فض قوات الأمن لأعتصام رابعة العدوية كان أنصار المعزول ينقلون أخبار عن القتلى مبالغ فيها حتى تحولت لمادة للسخرية والتندر .


 

 

خلال تلك الفترة, كنت أعمل معدا لأحد البرامج الحوارية شبه اليومية وكان رئيسي المباشر هو أحد الرموز الصحفية المرموقة, مررنا سويا بمواقف عدة أثناء التحضير لحلقات البرنامج من مواضيع ووضيوف, بعض الأحيان رفض تماما استضافة وجوه بعينها وكان السبب أن التوقيت غير ملائم لظهورهم أو لأنهم مرفضون شعبيا.

وقفة أمام نقابة الصحفيين تضامنا مع أحمد أبو دراع

وقفة أمام نقابة الصحفيين تضامنا مع أحمد أبو دراع

على سبيل المثال, خلال أحدى الحوارات الشخصية بعد بدء انعقاد جلسات لجنة الخمسين لتعديل الدستور, حدثت مشادة بيننا بعدما أعلنت رفضي لإقرار اللجنة لنص دستوري يجيز محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري لأنه يجور على حق المواطن في أن يحاكم أمام قاضيه الطبيعي لا أن يحاكم استثنائيا, في المقابل كانت وجهة نظره أنه من الضروري والحتمي وجود هذا النص نظرا لوجود مماثل له في عدد من دساتير الدول المتقدمة واستشهد ببعض منها, وانتهى النقاش ومرت الأيام وألقت قوات الجيش القبض على الصحفي السيناوي أحمد أبو دراع واتهمته بإذاعة أخبار كاذبة تضر بالقوات المسلحة وتمت إحالته إلى المحاكمة العسكرية.

حينها أعدت فتح النقاش مرة أخرى وطالبت بفتح ملف المحاكمات العسكرية للمدنيين وطرحه للنقاش بشكل موضوعي نظرا لأهمية القضية وضرورة تناولها وكان الرد بأنه يعتذر عن موقفه السابق ووعدني بأن تخصص حلقة قريبا وبالفعل تم فتح الموضوع ولكن بعدما تم تعميمه لكي لا يوجد في الحوار ما يمس القوات المسلحة بالنقد أو برفض انتهاكاتها بحق الصحفيين سواء بإحالتهم للمحاكمة العسكرية مثلما حدث مع الصحفيين أحمد أبو دراع ومحمد صبري أو بالتحرش بالصحفيين والقبض عليهم أو اصابتهم أثناء أداء عملهم أو إحالتهم للمحاكمة بتهم جنائية مثلما حدث مع الصحفيين محمد فهمي وبيتر جريس وعبدالله الشامي أعضاء فريق قناة الجزيرة في مصر.

أن تكون صحفيا ليست جريمة .. الحرية لصحفي الجزيرة #FreeAJstaff

أن تكون صحفيا ليست جريمة .. الحرية لصحفي الجزيرة #FreeAJstaff

وأستمرت النقاشات وتبريرات منع تناول موضوعات بعينها مثل حادثة سيارة ترحيلات أبو زعبل, حينما لقي 38 سجين حتفهم نتيجة لاختناقهم داخل العربة التي تقلهم إلى السجن, حينها سارعت وسائل الإعلام إلى اذاعة أخبار تؤكد أنهم لقوا مصرعهم بعد محاولة مسلحين منتمين لجماعة الإخوان تهريبهم بالهجوم على قوة التأمين الشرطية وأكد هذه المعلومات مصادر مجهلة وبدأت كل الوسائل الاعلامية الداعمة للسلطة الدفاع عن الشرطة والتأكيد على ضرورة قتل المساجين لأنهم حاولوا الهرب وشنت الوسائل الإعلامية التابعة لجماعة الإخوان حرب إشاعات مضادة للتأكيد على أن ما حدث مجزرة مع تهويل في عدد الضحايا وتأويل كيفية قتلهم.

 

 


 

 

الفترة الحالية ..

ومع تصاعد وتيرة التفجيرات والعمليات الإرهابية وتزايد أعمال العنف خلال مظاهرات جماعة الإخوان ومواجهة قوات الأمن لها بالرصاص, تحولت مناطق عدة في مصر إلى بيئة خطرة يصعب فيها عمل الصحفي, وزادت حوادث قتل وأعتقال الصحفيين وأخرها الصحفية ميادة اشرف وبذلك ارتفعت حصيلة شهداء الصحافة إلى 11 قتيلاً أثناء أداء المهنة الإخبارية منذ يناير 2011، مما أدى إلى ندرة في المعلومات والصور المتاحة وصعوبة التغطية وتحول الصحفي أجنبي كان أو مصري إلى فريسة سهلة بين طرفين متصارعيين كل منهما يكره الحقيقة ويرغب فقط في أن يروي قصته.

“إن العدائية حيال الصحفيين الأجانب وصل إلى حد الهجوم على اي شخص اجنبي يحمل كاميرا من قبل جموع من المؤيدين الغاضبين.” باتريك كينجسلي مراسل الغارديان في مصر 

“يجب ألا يصبح أي صحفي بغض النظر عن ميوله هدفا لأعمال عنف أو ترويع أو اجراءات قانونية مسيسة. يجب أن يحظوا بالحماية ويسمح لهم بممارسة عملهم بحرية في مصر.” جين ساكي المتحدثة باسم الخارجية الامريكية. 

 

أوقفوا الإنتهاكات ضد الصحفيين

أوقفوا الإنتهاكات ضد الصحفيين

وفي النهاية يضيع حق شهيد الصحافة بين سطور الجرائد والمواقع الإخبارية, فكل وسيلة اعلامية موجهه تنفي التهمة عن حليفها وتلقيه على الطرف الآخر وسط تخاذل لنقابة الصحفيين في الدفاع عن أبنائها وتوفير وسائل حمايتهم والسعي وراء حقوقهم, حتى أحتلت مصر المرتبة 159 (من أصل 180 بلداً) في التصنيف العالمي لحرية الصحافة لعام 2014 الذي نشرته منظمة مراسلون بلا حدود خلال شهر فبراير 2014.

وكل طرف يحاول أن ينشر صورة منقوصة للمشهد, تدعم أهدافه وتوجهه, مثل قناة الجزيرة التي تدعم المواطن الصحفي المنتمي لجماعة الإخوان بمبالغ مالية تتراوح من 2000 وحتى 4000 دولار مقابل البث المباشر لمسيرات أنصار المعزول , دون أن يوضع في الحسبان أي أعتبارات مهنية أو حتى أخلاقية يجب أن تحكم العمل الإعلامي وأبسطها الموضوعية في النقل واستغلال المواطنين الغير ممارسين للعمل الصحفي كصحفيين ودفعهم إلى الأماكن الخطرة للتغطية.

وتحول المواطن المصري وهو الحلقة الأضعف في الصراع على السلطة إلى لقمة سائغة بين أفواه الإعلام بعدما تحول عقل البعض إلى خلية لا ينشط بها إلى الكسل, ترفض أن تسعى لحقيقة أو أن تقبل رأي مخالف لما تتبناه بدافع من التطرف بسيطرة من دعايات “الحرب على الإرهاب” و “الدفاع عن الشرعية”.

 

 

 

 

** المقال نشر بموقع معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط بتاريخ 20 مايو 2014

http://timep.org/commentary/egyptian-medias-warring-factions

Categories:   ثورة مصر, مقالات منشورة

Comments

Leave a Reply