كريم فريد: نحن العرب.. نشجب “بشويش”.. وندين “بالراحة”

انتابتني حالة من الدهشة، وأنا أتابع أخبار العدوان الصهيوني على غزة، ليلة الأحد، من سرعة تبرير الحكومة الإسرائيلية لقصف مدفعية الاحتلال لحي الشجاعية شرق فلسطين. مدعين أن القصف يستهدف فصائل المقاومة المسلحة، التي استهدفت المدنيين العُزّل في وقت سابق. وأكدوا عددا من المرات على ذلك. حينها، عجز المنطق على أن يوجد تفسيرا لهذه التصريحات، وتذكرت المثل المصري: “ضربني وبكى .. وسبقني واشتكى”

فلمن الحق اليوم !! ومن المعتدي والمجرم !! ومن المعتدى عليه والمظلوم!! من هو المدني الذي تم استهدافه !! ومن المسلح الذي قتل البرئ واستهدف الأطفال وكبار السن والنساء !!.

استمرت حالة الدهشة والحزن تصحبني، وأنا أتذكر ابن الدُرّة شهيدا، وكيف اقتنص رصاص الجنود الإسرائيليين روحه من حضن والده. وأتذكر مدينة “جنين” التي صرخت مرات من هول ما رأت من مذابح. وأتذكر الانتفاضة برمتها، ومقتل المئات برصاص الإسرائيلين. وأتذكر الحرب على غزة في 2008، وما خلفته من دمار. وأتذكر دير ياسين، وبئر السبع، وتدنيس الأقصى من جنود الاحتلال، واقتحامه، وانتهاك حرمته، والاعتداء على المصلين فيه .. وأتذكر وأتذكر وأتذكر .. رأيت مئات المشاهد أمامي لجرائم اسرائيلية في حق “صاحب الحق”، المجبر على أن يصمت بعد كل جرح، وبعد كل جنازة يودع فيها شهداء الحق والمقاومة. وإن تكلم، سارعت مئات الألسنة لتلعنه، ومئات الأيدي لتخرسه .. فمن المعتدي ومن المعتدى عليه !!

وتابعت الدهشةُ سيطرتَها الكاملة علي، وأنا في انتظار الرد القوي والحاسم ممن تظاهروا مئات المرات ضد المخلوع مبارك، خلال ثلاثين عاما من غض البصر عن الجرائم الإسرائيلية في حق “أصحاب الحق”، مطالبين بفتح باب الجهاد، وبالرد الحاسم على الاعتداءات، وفتح المعبر. وكان الرد: “صمت طويل وتجاهل تام” للاعتداء، وكأن شيئا لم يكن، أو أن أولاد الرئيس يلهون في حديقة قصر الرئاسة فلم يلتفت إليهم. فالرئيس المصري المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين في مصر، والأم الروحية لابنتها حماس – المقاومة على حد علمي – في غزة، تتجاهل تماما مايحدث في غزة، التي باتت ليلتها ترتجف من أصوات القصف.

وقد توقعت أن يتخذ الرئيس الإخواني مواقف صارمة، خاصة بعد فضيحة الخطاب البروتوكولي الذي أرسله لصديقه الوفي -عدو الشعب- شيمون بريز رئيس اسرائيل – التي تقصف غزة- وبعد حملة التبرير الإخوانية؛ بأن الخطاب بروتوكولي، وغير مقصود أن يرسل مثل هذا الخطاب، الذي يتودد فيه لمن يقتل الأطفال والأبرياء والعزل. ولكن الرئيس صمت، والإخوان تجاهلوا العدوان الإسرائيلي، وبدأوا في افتعال أزمات واهية؛ لإلهاء الشعب والإعلام والقوى السياسية في مصر عن التخاذل الرهيب الذي تورطوا فيه؛ بفعل مواقفهم المتأرجحة، وخطابات الرئيس الحنجورية القوية، التي يأبى فيها أن يعترف بإسرائيل، ويطلق الوعود البراقة بمساندة الفلسطينيين، ورفع المعاناة عنهم. ولكن حينما تدق ساعة المواقف لا نسمع له همسا.

وكادت الدهشة أن تخرج عن صمتها وأدبها؛ حينما علمت أن نبيل العربي، وزير الخارجية المصري الأسبق وأمين عام الجامعة العربية الحالي، قد دعا موظفي أمانة الجامعة بالقاهرة لوقفة الدقائق الخمس المندده بالعدوان الإسرائيلي على غزة؛ مما أجبرني على أن أحييه على الخطوة الرائعة التي اتخذها، بنقل الجامعة العربية من مرحلة الشجب والتنديد، إلى مرحلة الوقفات الاحتجاجية الخاطفة. داعيا إياه للتوجه إلى سلم نقابة الصحفيين فورا؛ لينضم للمناضلين الذين تورمت أقدامهم من مرات الوقوف هناك؛ لمطالبة مبارك، والجامعة العربية بالتدخل لرفع المعاناة عن الفلسطينيين. ولكن يجب عليه – أولا- أن يضع شريطة سوداء على شعار الجامعة العربية؛ ليزينها به، ويعلن وفاتها، بعد سنوات من الموت الإكلينيكي.

وأخيرا أفقت من دهشتي، بعد أن أدهشتها بما شاهدته. ولكني أفقت على حقيقة واحدة: وهي أن الشعب للشعب، والسلطة ستظل السلطة، والعرب متاجرون بكل مايحدث في فلسطين. فالطيران الإسرائيلي يقصف غزة بالنفط القطري، التي زار أميرها غزة منذ أيام؛ ليعلن أنه سوف يتبرع بالملايين لإعادة إعمارها، فتبرع اليوم، ونال ما يريد من التصفيق والتهليل، وعاد إلى بلده ليتابع عن كثب الوضع؛ ليضع الخطوط العريضة للصفقة القادمة.

سيبقي لفلسطين شعبها، ومن أحبها من الشعوب. وسيظل الحكام العرب متخاذلون، خاضعون للمصالح، خائنون للمبادئ والعهود.

طال الصمت على الظلم، وعلى صوت أنين الشعب الجريح، ولكنه لم ينل من صموده وعزيمته. فالشعب الذي علمني طفلا أن أواجه الرصاصة بالحجر؛ سيظل صامدا، يواجه اعتداءات المحتل، وصراع الفصائل على السلطة والمصالح، وصمت وتخاذل إخوانه العرب، وهوانه عليهم.

الرئيس محمد مرسي، وهو مستشيط غضبا اثناء كتابته للخطاب السري، الذي أرسله للعدو الصهيوني شيمون بريز، رئيس الدولة التي اغتصبت أرض فلسطين، وقتلت وهجرت الملايين من منازلهم والذي تمني لها مرسي الرخاء والرغد. رئيس جمهورية مصر العربية.
الرئيس محمد مرسي، وهو مستشيط غضبا اثناء كتابته للخطاب السري، الذي أرسله للعدو الصهيوني شيمون بريز، رئيس الدولة التي اغتصبت أرض فلسطين، وقتلت وهجرت الملايين من منازلهم والذي تمني لها مرسي الرخاء والرغد. رئيس جمهورية مصر العربية.

 ** نشر بموقع البداية بتاريخ 14 نوفمبر 2012

http://www.albedaiah.com/node/6058

Categories:   مقالات منشورة

Comments

Leave a Reply