ماذا بعد الأمعاء الخاوية؟

ماذا بعد الأمعاء الخاوية؟

كريم فريد

علاء عبد الفتاح - الإضراب عن الطعام

 

الوضع لم يعد يحتمل، كل آليات المعارضة استهلكت، ولم يبقلصاحب الرأي سوى جسده ليناضل به ويواجه به الظلم، لم يعد سوى الإضراب عن الطعام سلاحا أخيرا للمواجهه، بعدما اشتد حمى المعركة، ولم يعد السجن للمجرمين فقط، ولم يعد للدم رهبة قط.

الإضراب عن الطعام، قرار أعلنه أكثر من 91 مواطن من المسجونين احتياطيا والمحكوم عليهم في قضايا بعضها يتعلق بالتظاهر وابداء الرأي، وصحفيين تم الزج بهم في السجون لمجرد تحديهم لإرادة الإدارة السياسية للبلاد، ومواجهتهم لقبضتها الأمنية التي تكمم أفواه كل معارض لها، أو لمجرد ممارساتهم لعملهم الصحفي.

محمود أبو زيد الشهير بشوكان، صحفي ومصور حر، ألقت قوات الأمن القبض عليه أثناء مشاركته في تغطية أحداث فض اعتصام رابعة العدوية، أعلم الضباط بهويته الصحفية وأنه متواجد لتغطية الحدث لصالح عدد من وكالات الأنباء ولكن لم يهتم أحد بذلك، تم اقتياده إلى قسم الشرطة ومنه إلى السجن، ليحبس احتياطيا لأربعة عشر شهرا حتى لحظة كتابة هذه السطور.

الأزمة في استمرار حبس شوكان تتعدى كونه صحفي سُجن لقيامه بعمله، ولكن هو مواطن مصري، أقصى أحلامه أن يحال إلى المحاكمة، لأنه منذ أكثر من عام قيد الحبس الاحتياطي دون أن توجه له المحكمة أتهامات بعينها دون أن يرى قاض أو يدافع عنه محام، دون أن تتخذ الدولة أي إجراء في اتجاه إدانته أو إعلان برائته، يمر الشهر بعد الآخر ويصبح أسيرا للمجهول ولا يعرف متى الخلاص من ذلك السجن.

محمد سلطان، هو صاحب السجل الأطول في خوض معركة الأمعاء الخاوية للمطالبة بالحرية، يقترب من 300 يوم من الإضراب الكامل عن الطعام، يحاصره الموت وينتظر الانقضاض عليه في أي لحظة، ولكن السلطات لا تهنئه بالموت فيرتاح من آلام السجن والجسد المنهك، ولا تريده أن يصبح حرا بعد أن دمرت معظم أجهزة جسده نتيجة لإضرابه عن الطعام، وذلك بحقنه بمحاليل مغذية خلال فترة غيابه عن الوعي، رغم مخالفة ذلك للمواثيق الطبية والقانونية.

ورغم أن القانون الدولي قد لا يكون ملزمًا للدول على نحو قاطع لعدم وجود معاهدات تذكر الإضراب عن الطعام بشكلٍ صريح، إلا أن العرف الدولي يمنع بوضوح ممارسات مثل الإطعام القسري، وهو ما نصت عليه الجمعية الطبية الدولية في إعلان مالطا عن الإضراب عن الطعام وإعلان طوكيو، وكذلك مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في عام 2006، وبيانات الأمم المتحدة التي تصف الإطعام القسري بأنه نوع من أنواع “التعذيب”.

خلاصة الأمر في قضية محمد سلطان، هي أن الشرطة توجهت إلى منزله للقبض على والده ولم تجده، فقررت إلقاء القبض عليه دون أن يكون مرتكبا لجرم يستدعي حبسه, ودون أن يشكل خطرا يذكر للأمن العام أو أمان أصحاب السلطة، وأصبح سجينا قيد الحبس الاحتياطي لعام وعدة أشهر، هل يوجد في القانون أي نص يجيز معاقبة الابناء بالحبس بدلا عن ابائهم؟

“في كل مرة واجهت فيها المحاكم والسجون كنت أرحب بها، ليس فقط كثمن ضروري ومتوقع لمواقف معارضة، وإنما كفرصة للنضال من أجل مبادئ وضمانات المحاكمة العادلة. وكان كل يوم في السجن فرصة لتذكير المجتمع بالمظاليم في السجون، وفرصة للضغط على الجماعات السياسية والإعلام للسعي لوقف الهدر اليومي للعدالة. لكني حينما وقفت أخيرا أمام قاضيَّ الطبيعي وجدت عدالة أقل من أعتى المحاكم الاستثنائية، أُهدِرَت الإجراءات والقوانين والمعايير، ورغم فضْحِنا لكل التفاصيل في عشرات القضايا لم نسمع صوتاً لقاضي واحد يعترض على ما يحدث في معهد أمناء طرة. واكتفى السياسيون باستجداء الرأفة لنا بناءً على تاريخنا الثوري دون أي إشارة للإهدار الفج للعدالة.”

هكذا كتب علاء عبد الفتاح قبل أن يذيل مقاله بقوله “جبت أخرى” ويعلن اضرابه عن الطعام، لتنطلق حملة على موقع التواصل الاجتماعي تحت عنوان “جبنا أخرنا” وتستمر لما يقرب ثلاثة أشهر.

“جبنا أخرنا” حملة انطلقت احتجاجا على إهدار العدالة وتكدس السجون بمن لم يرتكبوا جرم سوى أنهم قرروا التعبير عن رأيهم بشكل سلمي واحتجوا على قانون التظاهر الغير دستوري طبقا للدستور المصري الذي تم إقراره في مطلع هذه العام بموافقة 98% من المشاركين في الاستفتاء عليه.

لا يخوض علاء عبد الفتاح معركة الأمعاء الخاوية وحده، ولكن قبل بضعة أسابيع قليلة، كان يجلس في سجن الرجال واخته سناء حبيسة “سجن النسا” أيضا تشاركه معركته وتواجه الظلم بأمعاء خاوية.

سناء سيف، صاحبة العشرين عاما، محبوسة لما يقرب من ستة أشهر على خلفية مشاركتها في مسيرة سلمية بالقرب من قصر الاتحادية، رفعت فيها شعارات تطالب بإسقاط قانون التظاهر والإفراج عن أخيها علاء عبد الفتاح المحبوس الذي صدر عليه حكماً في ذلك الحين بالسجن 15 عاما لمشاركته في مظاهرة أيضا في نوفمبر 2013، قبل تعاد اجراءات المحاكمة ويتم إخلاء سبيل علاء، ولاتزال سناء في السجن على ذمة الحبس الاحتياطي تواجه آلام فقدان والدها الذي توفي أثناء فترة حبسها هي وأخيها.

وهنالك أيضا من ذهب ليسلم نفسه للنيابة العامة لأنها طلبت ضبطه واحضاره لأنه متهم بالتظاهر في مظاهرة لم يتواجد فيها أو يدعو لها، وبالفعل أخلت النيابة سبيله في نفس اليوم، ولكن السلطة أبت أن تدعه يعود إلى أبنه وابنته وزوجته سالما, فتم القبض عليه بعد خروجه من النيابة وحبسه وأثنين أخرين بتهمة التظاهر أمام نيابة عابدين، ثم أصدرت المحكمة حكمها عليهم بحبسهم ثلاث سنوات.

أحمد ماهر ومحمد عادل وأحمد دومه، الثلاثة محبوسين منذ ديسمبر 2013، بعد أن أدانتهم المحكمة بارتكابهم “جريمة التظاهر”، الأول والثالث يخوضان معركة الأمعاء الخاوية، الأول أحمد ماهر، تلاحقه الأتهامات وحملات التشويه منذ انطلاق ثورة يناير، ويجلس في السجن ووالدته تشتد عليها آلام السرطان، وأسرته المكونة من زوجة وطفلين تصارع من أجل الحياة بعد أن حبس عائل الأسرة ومصدر دخلها الرئيسي.

أما أحمد دومة، أصبح حبيس زنزانة في سجن طرة بعد اسابيع قليلة من زواجه، وحالته الصحية هي الأسوء بعد حالة محمد سلطان في سجل المضربين عن الطعام.

وبالرغم من وضعه الصحي السيء وحاجته الماسة إلى الرعاية الطبية, أصدر المستشار محمد شحاته رئيس محكمة جنايات القاهرة, قرارا بعدم نقل دومه إلى المستشفى إلا بعد تصريح منه شخصيا, مما تسبب في مضاعفات خطيرة لدومه, كادت أن تودي بحياته نتيجه لتأخر نقله إلى العناية المركزة في مطلع أكتوبر الجاري.

مسجونون كثر داخل السجون، ومسجونون أكثر خارجها، يطالبون بتحقيق العدالة، أن يحاسب المجرم، لا أن يعاقب من يعبر عن رأيه، لم تعد لديهم أي آليات للمقاومة إلا أجسادهم، وبعد أن دُمروا جسديا لن يصبح لديهم أي شيء ليعبروا به عن رأيهم ورفضهم للظلم.

Categories:   ثورة مصر, مقالات منشورة

Comments

Leave a Reply