كريم فريد لـ٧ أيام: 11 فبراير .. نهاية فعل وبداية مؤامرة ..

“أيها المواطنون .. في هذه الظروف العصيبة التي تمر بها البلاد, قرر الرئيس محمد حسني مبارك تخليه عن منصب رئيس الجمهورية وكلف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شئون البلاد .. والله الموفق والمستعان”

كلمات لم ولن تنسى, ألقاها على مسامعنا عمر سليمان نائب رئيس الجمهورية مع غروب شمس يوم الحادي عشر من فبراير من عام 2011 ليعنون ذلك الخطاب الموجز على صفحات الجرائد بـ “خطاب تنحي مبارك” وتكتب في التفاصيل كلمات عن ردود الأفعال العالمية عليه وفرحة الشعب المصري بالقرار..

بعد مرور ثلاث سنوات من تلك اللحظة وبعدما أتاح لنا القدر الفرصة لرؤية المستقبل وبعدما عشنا تفاصيله وأحداثه ربما يجب علينا الآن إعادة تقييم متن الخبر وتفسيره لكتابة التاريخ الذي سيحاسبنا عليه الأجيال القادمة, هل كان الخطاب هو الحاجز المنيع الذي منع مرور الثورة إلى المستقبل ؟ هل كان نهاية الفعل الأول والأخير للثورة ليفتح الباب لمتوالية ردود الأفعال الثورية العاطفية العبثية؟ هل كان “التخلي عن المنصب” كما ورد في نص الخطاب مجرد النهاية لمشروع التوريث فقط؟ هل كانت الثورة مؤامرة على مصر؟ أم كان الخطاب هو بداية المؤامرة على ثورة مصر؟

——————————–

في نهاية الربع الأول من العام الثالث للثورة, في الأول من ابريل لعام 2013, أصدرت محكمة القضاء الإداري حكمها برفض دعوي ببطلان تخلي الرئيس السابق محمد حسني مبارك عن منصبه, موضحة في حيثيات الحكم أن سلطة الدولة تظهر في 3 صور «تقرير- تنفيذ- رقابة»، والشعب يعلو كل هذه السلطات، والاستفتاء هو أعلى مظاهر التعبير عن إرادة الشعب المصري الصريحة والضمنية، وقد عبر الشعب المصري في ظل ثورة 25 يناير عن إرادته بإنهاء حكم النظام السابق، ووضع أسس وقواعد دستورية لاختيار رئيس وبرلمان جديدين للبلاد، وبالتالي فإن هذه الإرادة تعلو على أي قوة تقوم عليها سلطة من سلطات الدولة، وتستعصي رقابتها على رقابة القضاء عموما.

وتابعت: قرار الرئيس السابق حسني مبارك التنحي عن منصب رئيس الجمهورية جاء نتيجة إرادة شعب ثار ضد نظام قهري، كما أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة قد تولى شؤون البلاد، ودعا الشعب المصري للاستفتاء على بعض مواد الدستور، وتمت تلبية الدعوة، وأجريت انتخابات جديدة، وقد عبر الشعب المصري عن إرادته خلال ما لحق به بعد تنحي الرئيس السابق من قرارات وإجراءات واستفتاءات تمنع القضاء من رقابتها.

من القراءة “الثورية” السريعة للنص يظهر أن القضاء أنحاز بحكمه إلى ثورة الشعب, ومن القراءة المتأنية الموضوعية تجد أن الحكم أكد ما صرح بيه اللواء ممدوح شاهين عضو المجلس العسكري السابق بأن الأستفتاء منح شرعية لاستمرار المجلس العسكري في ادارة شئون البلاد, وكذلك منح الشرعية لوجود مرسي في الحكم ومنحهـا أيضا للسلطة الإنتقالية التي تشكلت بعد عزل مرسي في الثالث من يوليو الماضي .. المختصر المفيد, أن الورق لا يزال يحكمنا, كل من مر على حكم مصر سعى لاكتساب الشرعية لحكمه عن طريق الصناديق التي يعبدها الإخوان ويصبح بحمدها كل عاشق للسلطة ولا يعرف الطريق إليها من ثار وواجه السلطة خلال الفعل الأول والأخير للثورة على مدار ثمانية عشر يوما, سقط بعدهم مبارك “ظاهريا” بإعلانه التخلي عن منصبه.

——————————————

واقعيا, لم تنجح الثورة على المستوى السياسي إلا في إجهاض مشروع التوريث, وفشلت في تحقيق أي من أهدافها التي أعلنتها خلال فعلها الأول والأخير أثناء الثمانية عشر يوما الأوائل منها, مما قد يصدر للأذهان أنه قد نفذت مؤامرة ما من المتضررين من مشروع توريث مبارك حكمه لأبنه جمال, وأن هناك من استغل حركة الشباب الثائر المطالب بالحق على الأرض, قليل الخبرة السياسية والذي لم ينجح في أن يسير في مسار السياسة بجانب حراكه الثوري, فعفوية حركة الشباب وتبنيهم للمثالية في كل خطواتهم, جعلت الثورة كرة على طاولة رجال السياسة يحركونها كيفما يشاؤن ويتخبط الشباب المحتجزين داخلها نتيجة لحركة الكرة غير قادرين على ايقافها أو الخروج منها.

ونرى ذلك في كل الأحداث التي تلت تخلى مبارك عن منصبه, على سبيل المثال, في أحداث محمد محمود سارع الشباب إلى التجمع في ميدان التحرير لرد بطش رجال الشرطة بمصابي الثورة المعتصمين به للمطالبة بحقوقهم, وقد كان رد فعل من اجل الكرامة, وتوقع الشباب أنهم يكتبون نهاية المجلس العسكري بتصديهم لرصاص الشرطة بأجسادهم وعيونهم, ولكن كانت النتيجة أنه تم الإتفاق بين المجلس العسكري وقيادات جماعة الإخوان على تبكير موعد الإنتخابات الرئاسية مع استمرار الإنتخابات البرلمانية في موعدها, وهو مايخالف رغبة ومطالب شباب الثورة منذ بدايتها, حيث كانوا يطالبون بوضع الدستور أولا ثم إجراء الإنتخابات البرلمانية والرئاسية.

وأستمر تخبط الشباب داخل الكرة ليكون رد فعلهم غضب عبثي يبعدهم عن أهدافهم ويقرب المتآمرين على الثورة بخطوات أسرع من كرسي الحكم, فكانت ردود الأفعال على كل ما يمس كرامة الثورة ظاهريا وبالرغم من وجود اشارات عدة إلى أن هناك من يستغل الحراك من أجل مصالحه السياسية, وبمرور الوقت أنهك الغضب العبثي قوى الشباب وزادت قدرة المتآمرين على امتصاصه وتحويلة إلى ورقة سياسية رابحة لهم إلى أن دفعوا بالشباب إلى السجون على مراحل بعدما تم التنكيل بهم معنويا وجسديا, وسلبوهم ورقة الثورة ليرفعوها في وجه معارضيهم مدعين أنهم الثورة, لتنتهي متوالية ردود الأفعال بعدما حصدت مئات الأرواح في طريقها وبعدما أثقل الدم الكرة حتى توقفت تماما, ويكتب التاريخ أن الغضب الموجه الوحيد الذي حرك الشباب قادهم إلى اجهاض مشروع التوريث فقط.

—————————————–

يوم الثالث عشر من فبراير لعام 2011, أصدرت جماعة الإخوان تؤكد فيه أنها لا تسعي لأي مصالح خاصة ولن ترشح ممثل عنها لرئاسة الجمهورية وتشيد بدور القوات المسلحة وتناشده بسرعة اتمام عملية الإنتقال السلمى للسلطة عن طريق تعديل الدستور ليتم اجراء انتخابات برلمانية ورئاسية في أسرع وقت ممكن .. وصدر عن إلينا روس رئيسة لجنة الشئون الخارجية بالكونجرس الأمريكي تصريح تحذر فيه من عواقب تنحي مبارك واحتمالية صعود الإخوان إلى الحكم وتحول مصر إلى مأوى للمتطرفين الإسلاميين, قبل أن تصبح السفيرة الأمريكية في مصر أكثر تعنت من أنصار مرسي قبل عزله في الثالث من يوليو لعام 2013 ..

وبعد عام من التنحي, في الأول من أبريل لعام 2012, أعلنت الجماعة ترشيح النائب الأول المرشد والعقل المدبر للجماعة, المهندس خيرت الشاطر لمنصب رئيس الجمهورية, ضاربة بعرض الحائط كل وعودها السابقة بعدم السعي إلى كرسي الرئاسة بعدما استحوذت فعليا على نصيب الأسد من مقاعد مجلسي الشعب والشورى .. وحينما شعرت الجماعة أن هناك احتمال بأن يستبعد الشاطر من سباق الرئاسة, دفعت بمرشح احتياطي يدعى محمد مرسي, وقد كان للإخوان ما أرادوا منذ بداية الثورة فأصبح الاحتياطي محمد مرسى رئيسا لمصر بعد أقل من ثلاثة أشهر من دخوله السباق صدفة.

وفي هذه الأثناء, كان شباب الثورة لا يزالون يتخبطون داخل الكرة ويتصارعون بين مؤيد ومعارض للإنتخابات ومؤيد ومعارض لمرسي مرشح الإخوان والفريق أحمد شفيق, ومثلما يحدث في كل موقف منذ بداية نهاية الفعل, حصد المتآمرين على الثورة نتاج التخبط.

———————————–

عقب تنحي مبارك مباشرة, نشرت وكالة الأنباء الفرنسية تصريحات نسبتها إلى بنيامين بن أليعازر وزير دفاع جيش الإحتلال سابقا, مفادها أنه قد أجري اتصال هاتفي مع مبارك مساء يوم الخميس العاشر من فبراير قبل أن يلقى الخطاب الذي أعلن فيه عن تمسكه بالبقاء في منصبه وكان رد فعل الثوار عليه بتحرك مسيرات من التحرير لحصار القصر الجمهوري بمصر الجديدة للضغط على مبارك من أجل التنحي, وقال له مبارك خلال المكالمة التي أستمرت لدقائق معدودة أنه يبحث عن “مَخرج مشرف” وأن الجيش الذي كان يعول عليه لمساندته وحمايته قد أبلغه سابقا أنه لا يستطيع الدفاع عنه.

وخرج على الشعب اللواء محسن الفنجري ليلقى البيان الثالث للقوات المسلحة والذي يؤكد فيه انحيازها للشعب وآدي التحية العسكرية لأرواح الشهداء, وأعلن المشير محمد حسين طنطاوي بعد التنحي بفترة ليست بطويلة أنه رفض أمرا من الرئيس السابق بمواجهة المتظاهرين بينما تناقض ذلك مع نص شهادته حينما استدعته محكمة جنايات القاهرة المنوطة بمحاكمة مبارك بتهمة قتل المتظاهرين يوم الثاني من يونيو لعام 2012 ..

س: هل وجه رئيس الجمهورية السابق المتهم محمد حسنى السيد مبارك إلى وزير الداخلية السابق المتهم حبيب إبراهيم العادلى باستعمال قوات الشرطة القوة ضد المتظاهرين بما فيها استخدام الأسلحة الخرطوش والنارية ضد المتظاهرين فى الفترة من 25 يناير حتى 28 يناير 2011؟

ج: ليس لدىّ معلومات، ولكنى أعتقد أن هذا لم يحدث.

مثلما ورد في نص شهادة طنطاوي والذي نشرته صحيفة المصري اليوم بتاريخ اليوم نفسه ..

كان مبارك يرغب في أن يجد المخرج المشرف وقد ناله بعدما أقترب لقب المتهم الملاصق من اسمه قرابة الثلاث أعوام من أن يرفع بعدما يحكم له بالبراءة بسبب خلو ملف قضية قتل المتظاهرين مما يدينه بسبب ضعف تحريات المباحث وتحول شهود الإثبات لشهود نفي وضياع عدد من الأحراز أو اختفائها مثلما حدث مع محتوى كاميرات مجمع التحرير والتي سجلت وقائع أيام الثورة الأولى بالكامل.

———————————

لم تكذب العناوين الرئيسية لصحف العالم بعد تنحي مبارك حينما وصفت المصريين بأنهم صنعوا المستقبل وغيروا الواقع وتسببوا في انبهار العالم ويكتبون تاريخهم بأيديهم .. كل ما نشر حقيقة, بعض الشباب شارك في كتابة التاريخ بدمائه ومن بقى على قيد الحياة من شباب الثورة يحاول أن يحافظ على التاريخ يكتبه بموضوعية وإنصاف ليعيد لمن ضحى حقه ويفضح من تآمر على الثورة ليكذب القول المأثور أن المنتصر يكتب التاريخ  .. ولازال التدوين والكتابة مستمرة لأن النهاية لم تكتب بعد.

 كريم فريد: 11 فبراير .. نهاية فعل وبداية مؤامرة  كريم فريد: 11 فبراير .. نهاية فعل وبداية مؤامرة

Categories:   ثورة مصر

Comments

Leave a Reply