كريم فريد: كلنا فاشيون.. إلا أنا !

كريم فريد: كلنا فاشيون.. إلا أنا !

 

لو انتصر الآخرون على الآخرين؛ لكانت لتاريخنا البشريّ عناوينُ أُخرى، جملة كتبها الشاعر محمود درويش وربما تعبر عن واقع “أصحاب ثورة الخامس والعشرين من يناير”، لا دور لهم في المعادلة سوى البكاء على لبن سكب بعد صراع آخرون لإبادة الأخرين.

ولكن ماذا لو كان “الثوار” بديلا عن الآخرين؟ هل سيبقى لهم نفس موقع الآخرين في المعادلة وفي عناوين كتب التاريخ؟

 

—–

 

بصفة دائمه، ينتقد “الثوار” إعلام الدولة على مر العهود وينتقدون أيضا إعلام الإخوان ويصفونهما بإعلام الصوت الواحد.

وفي نقاش حول التناول الإعلامي للشأن المصري، ثار وفار البعض علي؛ لحديثي عن الموضوعية، وإصراري على أن التعريف المبسط للموضوعية هو التمثيل العادل لكل الأطراف في أي عمل صحفي باستثناء مقال الرأي.

يؤمن البعض أن الأخرين لديهم من القوة والسلطة والمنابر ما يكفيهم للتعبير عن أنفسهم ولا ضرورة لتمثيلهم في عملي الصحفي، وكذلك الأخرون، ويجب علي أن أمثل أبناء المعسكر الأضعف فقط لأنهم من لا منبر لهم.

 

بإفتراض أني وافقت على هذا الطرح وقررت أن أكون صوتا لفئة واحدة فقط، إذا ما هو الفرق بين ما أقدمه وبين إعلام الإخوان وإعلام الدولة؟ سأصبح مثلهم إعلاما للصوت الواحد وستنقسم المؤسسات الإعلامية إلى دوائر منفصلة ينضم إليها ويجلس أمام شاشتها من هم مؤيدين لصوتها الواحد ويصبحون صدى له وتتقاطع الدوائر في الأحداث المختلفة ولكن تقاطعها يؤجج الصراع فقط لا غير، لأنهم لا تجمعهم إلا دوائر الصراع على الأرض ومساحات السب واللعن وتبادل الإتهامات على الفضائيات وتصبح احتمالية إيجاد حل للازمة أقل ما يمكن.

حينما عرضت تلك الأطروحة كان الرد عليها بأني سأكون المختلف، سأكون الإعلامي المنصف الذي يقف في معسكر الحق.

بأي حق تحدثني عن كوني ممثلا له وكل معسكر يرى أنه صاحب الحق المطلق ويرفض الحوار مع معارضيه من نفس المنطلق، أنه صاحب الحق رافعا لشعار “ولا تفاوض قبل الجلاء”، ولكن كيف سيحدث الجلاء دون تفاوض !!

البعض يحارب الموضوعية لفشله في تسخيرها لصالحه، مثلما يحارب البعض الحرية لانقاصها من قدرته على السيطرة على عقول البشر.

وربما أكون قد مارست الرقابة الذاتية على نفسي, حتى لا أتحدث عن المنظور البراجماتي للموضوعية، ولكن بعد تفكير قررت الكتابة، لأن حتى إدعاء صاحب القضية للموضوعية سيسهم في إيصال رسالته إلى مجموعات مختلفة من معارضيه أو حتى أعدائه وربما سيسهم في  توسيع الشريحة المتوقعة لمتابعيه وربما ستزيد من  قوته بإظهار ضعف خصمه في مواجهه مباشرة بدلا عن حديث كل طرف عن الأخر في فقاعة منفصلة.

—-

جميعنا تسحبنا دوامة العبث لنتحدث عن أنفسنا ونفرض أفكارنا على الغير وعن وجوب تنفيذ الغير لما نريد دون إتاحة مساحة  لعقولنا لاستيعاب أفكار الأخر وحقيقة أمره.

رموز نظام مبارك لازالوا معتقدين أن ثورة يناير مؤامرة للإطاحة به، أدارها الغرب ونفذها مجموعة من الخونة والمخربين ومعدومي الوطنية، وكذلك الإخوان لازالوا مؤمنين أن مؤامرة على الإسلام قد دبرت ونتج عنها إزاحة الرئيس المؤمن الكامل ولي الله الذي لا ينطق عن الهوى وإنما هو يوحى إليه.

ولازال المحسوبين على الثورة مقتنعين أن نظام مبارك قد تحالف مع الإخوان لإبادتهم، ولم يروا حتى الآن أنهم قد ارتكبوا أي خطأ أوقعهم في ذلك الفخ، لم يملكوا جرأة الإعتراف بالخطأ أو محاولة البحث عن مخرج واكتفوا باستهلاك كل اساليب التعبير عن الرأي حتى فقدت قيمتها أو هدفها.

لم نفكر لوهله أننا مثلهم، أن الأفكار واحدة ولكن الكلمات مختلفة.

ولم يسع البعض إلى الحوار وإن كان من منظور نفعي، للفضح كذب الكاذب إن كان واثبات صدق الصادق إن كان.

لم يفلح خيالنا في إيجاد دروب الحرية التائهة، ولكن تفوق في حياكة المؤامرات الوهمية وفي صناعة المخاوف تقيدنا أكثر واكثر لنبدأ في محاربة طواحين الهواء ومجموعة من الوحوش الأسطورية.

ويوما بعد يوم، يبرز إبداعنا بشدة في قمع أي صوت معارض ويتحول حلمنا من ترسيخ مبادئ الحرية والمساوة والعدل، إلى ترسيخ مبدأ “من ليس معي فهو عدوي”.

 

 —

وكلنا فاشيون يا عزيزي .. إلا أنا، أنا وحدي من أؤمن بالعدل، وكلنا مخطئون .. إلا أنا، أنا وحدي المحق.

بكل ما في الجملة السابقة من عبث لغوي ونرجسية في الجمع ما بين كلنا وإلا أنا؛ يتلخص خطاب كل طرف إلى الأخر وعن نفسه، مؤمنا فعلا بذلك، والحمدلله أن الثوار لم يصلوا إلى كراسي السلطة، لأن أكثرهم لا يختلفون كثيرا عن كل من مروا عليها عبر السنين وقامت الثورات ضدهم.

 

Categories:   مقالات, مقالات منشورة

Comments

  • Posted: September 7, 2014 00:49

    يوسف فاضل

    لا توجد مشكلة أن يكون لكل حزب أو اتجاه إعلامه الخاص، مثلما لهم صفحاتهم ومواقعهم وحساباتهم الخاصة في الإنترنت. على الأقل سيأخذ كل طرف فرصته في قول ما يريد دون أن يتهم مذيعا بعدم إعطائه وقتا كافيا. لكن يبدو أن كل إعلام حزبي سيطبل لحزبه، إلا الثوار فإنهم لو كانت لهم فضائية خاصة يستضيفون فيها بعضهم فلن يطبلوا لأحد، حتى لمن يمثلهم، وربما ستنشأ فضائيات عديدة مع كل تيار ينفصل بسبب انحياز الفضائية لتيار ثوري آخر. فالأفضل للثوار هو قناة وطنية تسع الجميع بما في ذلك خصومهم، ما داموا يتحدثون بموضوعية ويوثقون كلامهم بأدلة حقيقية صادقة لا بادعاءات أو مصادر مجهولة.

Leave a Reply