شرعية فلسطين في مواجهة شرعية اسرائيل

كريم فريد: شرعية اسرائيل في مواجهة شرعية فلسطين

شرعية فلسطين في مواجهة شرعية اسرائيل

 كريم فريد

 

مساء الأثنين 13 أكتوبر 2014، أقر مجلس العموم البريطاني بأغلبية الأصوات مذكرة تطالب الحكومة بالاعتراف بالدولة الفلسطينية. بالرغم من كون التصويت على هذه المذكرة غير ملزم للحكومة البريطانية، لكنه يحمل طابعا سياسيا من شأنه أن يؤثر على موقفها خاصة أنه نال تأييد غالبية النواب، وأن لندن أعلنت مرارا عزمها الاعتراف بفلسطين شرط أن يدعم ذلك عملية السلام.

 

مطلع شهر أكتوبر الجاري, أعلن رئيس الوزراء السويدي ستيفان لوفين إن حكومة يسار الوسط المنتخبة حديثا والتي يترأسها ستعترف بدولة فلسطين، وتصبح أول من أعضاء الأتحاد الأوروبي تتخذ هذه الخطوة, وقد أشار لويفان أن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني يمرّ عبر إنشاء دولتين في “إطار احترام المطالب المشروعة للفلسطينيين والإسرائيليين على السواء بشأن تقرير مصيرهم وأمنهم”.

 

أثارت هذه التصريحات عاصفة من الجدل وقُبلت بالرفض من كلا من إسرائيل وأمريكا, ليرد نائب وزير الخارجية الإسرائيلي تسفي هانيجبي قائلا أن خطوات مثل الإعتراف السويدي المخطط سوف تؤذي عملية السلام بدلا عن تعزيزها. مضيفا “كلما إزداد الدعم العالمي الذي يتلقاه الفلسطينيين بدون مطالبتهم بالتفاوض والقيام بحصتهم من التنازلات المتبادلة، كلما قل إحتمال الوصول إلى إتفاقية سلام”، حسب ما صرح لراديو إسرائيل.

 

في سياق متصل, رد وزير الخارجية الإسرائيلي افيغادور ليبرمان متهكما على تصريحات رئيس وزراء السويد قائلا “إن كانت الأوضاع في الشرق الأوسط بهذه الأهمية لرئيس الوزراء السويدي في خطابه الأول، كان من المفضل أن يركز إهتمامه على مسائل ملحة أكثر في المنطقة، مثل القتل الجماعي اليومي الذي يحدث في سوريا، العراق وأماكن أخرى”.

 

ووجهت الولايات المتحدة عبر المتحدثة باسم خارجيتها تحذيرا إلى دولة السويد من عواقب اعترافها بدولة فلسطين مؤكدة أن الإعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية ما زال “سابق لأوانه”. وأضافت “نحن نؤمن بأن العملية تطلب وصول الطرفين إلى إتفاق حول شروط العيش في مستقبل الدولتان المتجاورتان”، حسب ما قالت. مما دفع وزيرة الخارجية السويدية   مارغوت فالسترو للرد قائلة ” إن السياسة السويدية الخارجية لا يمكن أن تقرر من قبل واشنطن”. وطالبت الدول الأوروبية تتخذ خطوات مماثلة وتعترف بالدولة الفلسطينية.

 

بينما دعمت فرنسا التوجه السويدي عبر الناطق باسم خارجيتها  رومان نادال الذي صرح قائلا أنه من الملح تحقيق تقدم في حل الدولتين، والتوصل الى اقامة دولة فلسطينية مستقلة تحيا في سلام وأمن الى جانب اسرائيل, واضاف: “انه الحل الذي يدعمه المجتمع الدولي. هذا يعني انه سيتعين يوما الاعتراف بالدولة الفلسطينية” مرددا ما قاله وزير الخارجية الفرنسى لوران فابيوس في نهاية أغسطس الماضي.

 

على الجانب الآخر, أعلن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس أبو مازن ترحيبه بالخطوة السويدية والتصريحات الفرنسية عبر المتحدث باسم الرئاسة الفلسطينية نبيل أبو ردينة والذي أعتبر أن “الاعتراف بدولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية هو الطريق الصحيح للآمن والاستقرار في المنطقة بأسرها”. وهو ما ذكره الرئيس المصري  عبد الفتاح السيسي خلال خطابه بالأمم المتحدة مطالبا بتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 242 لسنة 1967, وهو القرار الذي طالب اسرائيل بالانسحاب من كل الأراضي التي احتلتها في مطلع شهر يونيو من نفس العام.

 

وكانت الجمعية العمومية للامم المتحدة قد اعترفت في نوفمبر 2012 بدولة فلسطين وقبلت عضويتها في المنظمة الدولية بصفة دولة مراقبة ورُفِع العلم الفلسطيني في مقر الأمم المتحدة لأول مرّة وذلك بموافقة 134 دولة واعتراض 9 دول وامتناع 41 دولة عن التصويت. وضمت الدول المعترضة كل من الولايات المتحدة وإسرائيل وكندا وجمهورية التشيك وجزر مارشال وميكرونيزيا ونورو وبالاو وبنما. بينما اعترفت منظمة اليونسكو بفلسطين دولةً بعضوية كاملة في المنظمة في نهاية نفس العام.

 

ولكن الاتحاد الاوروبي ومعظم دوله الاعضاء لم تعترف بالدولة الفلسطينية رسميا. وقد كانت عدة دول أوروبية منها هنغاريا، سلوفاكيا ورومانيا قد إعترفوا في الدولة الفلسطينية، ولكنهم فعلوا هذا قبل إنضمامهم للإتحاد الأوروبي, وكذلك ايرلندا التي اعترفت بالدولة الفلسطينية في عام 2011 ولكنها ليست عضوا في الاتحاد الأوروبي.

 

بالعودة إلى تاريخ الدولة الفلسطينية بهيكلها الحالي, نجد انه قد تم إعلان استقلال دولة فلسطين – من طرف واحد – في نوفمبر 1988 في دورة استثنائية للمجلس الوطني الفلسطيني في المنفى بالجزائر استنادًا إلى قرار الجمعية العامة رقم 181 بتاريخ 29 نوفمبر 1947، الذي نص على إنهاء وتقسيم الانتداب البريطاني إلى دولتين, وهي الخطوة التي مهدت إلى اتفاقية أوسلو 1994 بين منظمة التحرير الفلسطينية واسرائيل وعلى اثرها تم إعلان السلطة الفلسطينية وهيكلها الإداري.

 

وقامت مجموعة من البلدان بالاعتراف على الفور بإعلان استقلال فلسطين، وبحلول نهاية عام 1989 كانت أكثر من 80 دولة قد اعترفت بالدولة المعلنة, وفي فبراير 1989 في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، أعلن ممثل منظمة التحرير الفلسطينية عن إقراره علنًا باعتراف 94 دولة بفلسطين، لكن التصويت على دولة فلسطين لم يطرح وقتها في الأمم المتحدة.

 

على النقيض كان وضع اسرائيل عقب اعلان دولتهم بعد نكبة فلسطين عام 1948, حيث سارعت العديد من الدول الأوروبية والأفريقية بالاعتراف بالدولة الوليدة على رفات الفلسطينيين وأرضهم, لتبدأ اكبر ازمات الشرق الأوسط في العصر الحديث, ويبدأ الصراع العربي الإسرائيلي بهزيمة الجيوش العربية في حرب فلسطين في العام نفسه, ويتناثر الفلسطينيين لاجئين لدى الدول المختلفة ليصل عددهم اليوم نحو خمسة ملايين لاجئ ويصبح شرط عودتهم إلى أراضيهم هو أكبر عقبات المفاوضات الفلسطينية – الاسرائيلية.

 

في منتصف عام 1949, أصدرت الجمعية العمومية للأمم المتحدة قرارها رقم 273 بقبول عضوية إسرائيل بموافقة  37 عضو ورفض 12 دولة ووامتناع 9 دول عن التصويت, وذلك بشرط قبول اسرائيل بدون تحفظ كل الالتزامات الواردة في ميثاق الأمم المتحدة وتعهدها بتطبيقها وتعهدها أيضا بتطبيق قرار الجمعية رقم 181 لسنة 1947 الخاص بتقسيم فلسطين إضافة إلى قرار رقم 194 لسنة 1948 الذي يمنح حق العودة للاجئين الفلسطينيين وهما القراران اللذان لم تعترف بهما إسرائيل إلى الآن.

 

 

في الوقت الحاضر، تعترف باسرائيل 157 دولة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة منها 3 دول عربية, كانت مصر أولهم اعترافا بإسرائيل وذلك بعد مباحثات كامب ديفيد عام 1978 وتوقيع معاهدة السلام بين الطرفين في العام نفسه. تلتها الأردن  عام 1994 إضافة إلى موريتانيا التي اعترفت بإسرائيل رسميًّا عام 1999.

 

لازال هناك 32 دولة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة لا تعترف بدولة إسرائيل رسميًّا منها 5 دول لا تقبل جوازات السفر الإسرائيلية, منهم 18 دولة عضوًا في جامعة الدول العربية هي الجزائر، والبحرين، وجزر القمر، وجيبوتي، والعراق، والكويت، ولبنان، وليبيا، والمغرب، وعُمان، وقطر، والمملكة العربية السعودية، والصومال، والسودان، وسوريا، وتونس، والإمارات العربية المتحدة، واليمن. إضافة إلى ذلك هناك 11 دولة اسلامية منهم أفغانستان، وإندونيسيا، وإيران، وماليزيا، وباكستان. دول أخرى لا عربية أو إسلامية مثل كوبا وأخرى قطعت علاقتها الدبلوماسية مع اسرائيل مثل فنزويلا.

 

ولكن الإعتراف الرسمي من الدول الأعضاء لم يمنع اقامة علاقات دبلوماسية وإن كانت سرية بين البلدان المختلفة وهو الذي يعتبر اعترافا محدودا بشرعية هذه الدولة, على سبيل المثال قطر  التي بدأت علاقاتها مع إسرائيل بعد مؤتمر مدريد للسلام وكان أول لقاء قطري إسرائيلي مع رئيس الحكومة الإسرائيلي وقتها شيمون بيريز بعد زيارته لقطر عام 1996 وافتتاحه للمكتب التجاري الإسرائيلي في الدوحة وتوقيع اتفاقيات بيع الغاز القطري لإسرائيل، ثم إنشاء بورصة الغاز القطرية في تل أبيب.

 

كذلك ما حدث في عام 2009 , حينما تداول مستخدمي موقع التواصل الاجتماعي  لفيديو يوضح زيارة الأمير القطري سرا لإسرائيل ولقائه بتسيبي ليفني رئيسة الوزراء الإسرائيلية في ذلك الحين.

 

ولكن الصادم هو ما نشرته صحيفة المصري اليوم  في منتصف عام 2013, أعلنت الصحيفة في ذلك الحين حصولها على وثائق تؤكد  أن أول مفاوضات مصرية – اسرائيلية جرت في يناير 1949 في جزيرة رودس بالبحر المتوسط وبوساطة الأمم  المتحدة, وهو ما يمثل اعترافا بشرعية دولة اسرائيل التي أقيمت على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948.

 

ولم يكن تقرير المصري اليوم هو الوحيد في ذلك الشأن, ولكن أكده ما أورده المؤرخ الإسرائيلي آفي شلايم في كتاب نشر في مطلع العقد المنصرم تحت عنوان “الجدار الحديدي: إسرائيل والعالم العربي”.

 

وبحسب الوثائق التي أفرجت عنها إسرائيل، أسفرت مفاوضات رودس 1949 عن اعتراف العرب بإسرائيل، وتحديد حدود الدولة الإسرائيلية، خاصة ما يسمى بـ«الخط الأخضر» الذى يطالب العرب بانسحاب إسرائيل إلى حدوده حتى يومنا هذا.

 

كانت مصر هى أول دولة توقع على اتفاق الهدنة، فى فبراير 1949، وتم الاعتراف فيه بأن النقب جزء من دولة إسرائيل، باستثناء قطاع غزة، فيما تم اعتبار «نيتسانا» الواقعة على الحدود المصرية – الإسرائيلية منطقة منزوعة السلاح.  وكانت لبنان هى الدولة الثانية فى التوقيع، وتم الاتفاق على اعتبار الحدود التى وضعها الانتداب البريطانى هى الحدود الرسمية بين الجانبين.

 

وبعد ذلك وقعت الأردن، التى تصف الوثائق الإسرائيلية المفاوضات معها بأنها كانت أكثر تعقيداً من بقية الأطراف، وانتهت إلى تبادل نقل السلطة يداً بيد فى الأراضى التى تم احتلالها، حيث تنازلت إسرائيل عن منطقة الخليل، فيما تنازلت الأردن عن منطقة وادى عارة ومنطقة المثلث. أما الضفة الغربية فتم اعتبارها جزءاً من الأردن بعد ضمها بموافقة أهلها إلى المملكة الهاشمية فى ديسمبر 1948.

 

وفى يوليو 1949 تم التوقيع على اتفاق الهدنة بين سوريا وإسرائيل، ونص على إخلاء الأراضى الواقعة شرق بحيرة طبريا.

 

من بين الوثائق التى كشفت عنها إسرائيل، تقرير كتبه «ر. شيلوح»، مستشار المهام الخاصة بوزارة الخارجية الإسرائيلية، عن مفاوضاته مع مسؤوولين مصريين حول اتفاق الهدنة، والتى أجريت فى جزيرة رودس، بتاريخ 18 يناير 1949، بوساطة من رالف بانش الذى حصل عام 1950 على جائزة نوبل فى السلام.

 

وتشير الوثائق إلى أن الوفد المصرى أكد أنه ذهب إلى المفاوضات بهدف واضح وهو التوصل إلى اتفاق هدنة على أساس قرارات مجلس الأمن، وسأل عن موقف إسرائيل من هذه القرارات. فأجاب الوفد الإسرائيلى بالقول إن بلادهم تحترم أى قرار دولى، إلا أنهم أضافوا: «ولكن هناك قرارات تم اتخاذها فى ظروف معينة، وإذا لم يتم تنفيذها فوراً تفقد قيمتها بتغير الظروف. وقد أضاع المصريون الفرصة برفضهم الاستجابة لقرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة فور إعلانها».

 

وعند سؤالهم عن الموقف الإسرائيلى من خطوط وقف إطلاق النار، أجاب المبعوث الإسرائيلى: «لا حق للقوات المصرية فى التواجد داخل أرض إسرائيل، (الاسم الذى اعتاد اليهود إطلاقه على فلسطين قبل إقامة دولة إسرائيل)، ولا حق للقوات الإسرائيلية فى التسلل إلى الأراضى المصرية». وأضاف: «نحن من جانبنا بادرنا بالانسحاب من مواقع عسكرية مهمة فى الأراضى المصرية».

 

وفى موضع آخر يقول المبعوث الإسرائيلى فى تقريره إن الوفد المصرى حاول أن يشرح الفرق بين الأرض الإسرائيلية وقطاع غزة، التى وفقا لقرار الأمم المتحدة لا تخص إسرائيل. وأكد أن من الصعب على مصر أن تسلم العرب للسلطة الإسرائيلية (وأشار كاتب التقرير إلى أن الوفد المصرى استخدم كلمة «إسرائيل» و«اليهود» ولم يستخدم أبدا كلمة «الصهاينة)».

 

وقال المبعوث الإسرائيلى فى تقريره: «قلت إن المصريين سيدركون ويقبلون إخراج قواتهم من أرض إسرائيل، وعندها سيكون بوسعنا أن نناقش معا طريقة عادلة ومنطقية بشأن السكان العرب الموجودين فى قطاع غزة. وكان رد المصريين على ذلك أن محادثات رودس قاصرة على بحث هدنة عسكرية، أما الموضوعات التى ذكرتها أنا فتخرج عن هذا الإطار، وينبغى إبقاؤها لمفاوضات السلام، التى يأملون ألا تتأخر».

 

وقد أظهرت تلك الوثائق أن الدول العربية لم تتفاوض كفريق واحد مع إسرائيل، وإنما تفاوضت إسرائيل مع كل دولة عربية على حدة. وتم اقتصار المفاوضات على مصر وسوريا ولبنان والأردن، دون أن يكون هناك أى تفاوض أو حتى ذكر للفلسطينيين. كما ظهر من الوثائق حرص إسرائيل على عدم ذكر كلمة فلسطين أو أى مشتقات منها، واستخدمت لفظ «إسرائيل» للإشارة إلى ما بعد 1948 وإقامة الدولة العبرية، بينما تستخدم مصطلح «أرض إسرائيل» للإشارة إلى فلسطين قبل إقامة الدولة العبرية. أما الفلسطينيون فتسميهم الوثائق الإسرائيلية «العرب».

 

وظهر من تلك الوثائق أن كل من مصر والأردن ولبنان وسوريا قد أقاموا علاقات دبلوماسية مباشرة مع اسرائيل عقب نكبة فلسطين وفرضت اسرائيل شروطها حتى على الألفاظ المستخدمة في المفاوضات ونجحت في استبدال فلسطين باسرائيل حتى على السنة الدبلوماسيين العرب الذين شاركوا في المفاوضات الغير معلنة وهو ما يؤكد المسئولية التاريخية للعرب عن ضياع حقوق الفلسطينين في أرضهم واستمرار الدولة الإسرائيلية التي أقيمت على أنقاض فلسطين المحتلة.

 

Categories:   تحقيقات منشورة

Comments

Leave a Reply