كريم فريد |جزيرة فاضل .. 65 عاما من النكبة

العودة حلم كل فلسطيني
العودة حلم كل فلسطيني

تحقيق  وتصوير: كريم فريد.

قبل 65 عاما من اليوم، أغتصبت الأرض وهُجّر ملايين الفلسطينيين من قراهم وأراضيهم بعد هزيمة الجيوش العربيّة في فلسطين،  هُجروا من أرضهم فلجأوا لأخري …  الأولي مُحي اسمها من خرائط العالم والثانية غير معرفة علي أي خريطة … وصل 40 فلسطينيّا مصر قادمين من مدينة بئر السبع الفلسطينية بعد احتلالها وطرد أهلها، لتصل بهم أقدامهم إلى محافظة الشرقية وبأربعة خيام بدأت معاناة لم تنتهي حتى اليوم  .. بيوت من طين واطفال بدون مدارس .. أسر بدون مصدر دخل  إلا  .. القمامة .. مهنتهم تجميعها  .. ومهددين بالطرد من ملجأهم في حال غضب السلطات عليهم.

تصوير: كريم فريد - جزيرة فاضل .. لاجئون بين سندان المعاناة ومطرقة تجاهل العالم

“القدس .. القدس كانت مفيش فيها حرب .. صليت هناك مرة واحدة في العمر .. وشوفت الصخرة المعلقة .. بدُي أرجع علي فلسطين فيها الخير كله” دامع العينين وبصوت حزين حدثنا سليمان النامولي البالغ من العمر 92 عاماَ وهو أحد اللاجئين الفلسطينيين الذين طردوا من مدينة بئر السبع الفلسطينية عام 1948 وقدم إلي جزيرة فاضل باحثا عن الأمان بعد ما رآه من ويلات الحرب.

باكية روت لنا سيدة فلسطينية مسنة بالقرية ذكريات الحرب وأغتصاب الأرض عام 1948 فقالت “كانت الطيارات والنار فوق روسنا .. خرجنا من البيت خايفين وأمي خدت  أخوي بين أيديها وهربت وبعد ما وصلت لمنطقة الأبيار المرة أكتشفت أنها خدت المخدة وأخوي سابته في البيت .. رجع 9 رجال يجيبوه استشهدوا كلهم”

عبر جدارين من الطين وأرض ترابية دخلنا إلى  قرية جزيرة فاضل في مركز أبو كبير في الشرقيّة التي تجمع على أرضها فلسطينيين يُصبحون على معاناة البحث عن مشفى لعلاج أمراضهم ومدرسة تُعلمّ أبنائهم، وعناية من الدولة تضعهم في عداد البشر الذين يعيشون على أرضها.

في قرية “جزيرة فاضل” في الشرقيّة يعيش اليوم أكثر من 3000 فلسطيني من المُهجّرين وسط حالات لا تنتهي من المعاناة، لا علاج ولا غذاء ولا سكن يوفرّ الحدّ الأدنى من الكرامة الإنسانيّة.

الطريق إلى القرية ضيق ترابي بين أسوار تحيط بها وتمنع توسعها وكذلك الطرقات داخلها بين بيوت طينية ونادرا ما تجد بيت خرساني بني حديثا لاستيعاب الزيادة السكانية بالقرية ولا يوجد بها صرف صحي ودخلت إليها الكهرباء منذ سنوات قليلة وحتى الأن لم تصل اليها خطوط التليفون الأرضي.

تصوير: كريم فريد - جزيرة فاضل .. لاجئون بين سندان المعاناة ومطرقة تجاهل العالم

” مش عارفين نسافر نشتغل في أي مكان برة مصر ومش مسموحلنا نسافر غير للحج والعمرة .. أحنا لاقيين ناكل عشان نسافر نحج بأكتر من 30 ألأف جنيه” هذا ما قاله أحمد النامولي أحد شباب القرية موضحاَ ما يعاني منه اللاجئين الفلسطينيين بمصر, مطالباَ السلطات المصرية بتصحيح أوضاعهم القانونية حتي يتمكنوا من السفر للعمل بالخارج لأن الوثيقة المصرية للاجئين لا تمنحهم هذا الحق.

ويضيف محمد فاضل النامولي عمدة القرية ” عشان ندخل واحد من ولادنا المدرسة لازم تصريح من الحاكم العسكري المصري لقطاع غزة وتصريح أخر من أمن الدولة وموافقة من الإدارة التعليمية بمديرية الزقازيق وبحث أجتماعي يثبت عدم قدرتنا علي إلحاقهم بمدرسة خاصة” ..

تعاني القرية من زيادة نسبة البطالة بين سكانها  ويعمل سكانها بالزراعة كفلاحين يستأجرهم أصحاب الأراضي المجاورة مقابل أجر زهيد, ولكن مهنتهم الأساسية جمع القمامة واستخراج المنتجات البلاستيكية منها لإعادة تدويرها  وهو ما يصرح به أهل القرية علي أستحياء رافضين أن يتم أجترار مشاعر الناس من أجل رفع المعاناة عنهم فبالرغم من كل ما يعانوا منه عزة نفسهم لم تهتز.

تصوير: كريم فريد - جزيرة فاضل .. لاجئون بين سندان المعاناة ومطرقة تجاهل العالم

وتعاني القرية أيضا من زيادة نسبة الإنجاب فالرجل الواحد يتزوج اكثر من سيدة وينجب عشرات الأطفال فأبوياسر النامولي أحد سكان القرية في العقد السادس من عمره متزوج من سيدتين ولديه 62 أبن وحفيد.

التعليم لا يعرف للقرية طريق, بالإضافة لتعامل السلطات المصرية معهم علي أنهم أجانب ولا تيسر لهم إجراءات الألتحاق بالمدارس تقع أقرب مدرسة للقرية في مركز أبوكبير الذي يبعد عنها أكثر من ثلاثة كيلومترات وفي أفضل الأحوال ينهي الطفل تعليمه الإبتدائي ويخرج من التعليم لعدم قدرة ذويه على تحمل تكاليفه, فاقصي مرحلة تعليمية أستطاع أن ينهيها أحد سكان القرية في السنوات الأخيرة كانت الإعدادية ويتفاخر السكان بوصول أثنين منهم إلى مرحلة التعليم الجامعي في سبعينات القرن الماضي ونجحوا في اجتيازها ولم يستطع أحد الوصول إلى تلك الدرجة التعليمية بعدهم.

يوجد بالقرية عدد كبير من ذوي الأحتياجات الخاصة خاصة الصم والبكم وبسؤال أهل القرية عن سبب ذلك أوضحوا أن أنتشار الجهل بالقرية أدي إلي زيادة نسبة زواج الأقارب  والذي نتج عنه ولادة أطفال معاقين.

حاول أحد سكان القرية من البكم لفت أنتباهنا أثناء زيارتنا للقرية وتبعناه إلي منزلة لنجد “محمد” طفل مصاب بمرض الزلال لا يقوي علي الحركة بسبب أنتفاخ جسمة وزيادة وزنه علي غير الطبيعي وبسؤال أهله أوضحوا أن أخته توفيت منذ شهور بنفس المرض لعدم قدرتهم علي علاجها خائقين من أن يجد أبنهم نفس المصير.

ينتشر مرض الغدة الدرقية بين سكان القرية منذ شهور ولا يجدوا دواء أو أطباء قادرين على علاجهم ولم تقدم لهم السفارة الفلسطينية بالقاهرة أو السلطات المصرية أي مساعدة, وكذلك هو الحال دائما ما يتعلق  بالصحة فاقرب مركز صحي من القرية  يقع بمركز أبو كبير أيضا على بعد ثلاثة كيلومترات , وروت إحدى سيدات القرية أنه من الوارد والمعتاد بالنسبة لهن أن تلد احداهن  بالطريق أثناء نقلها للمستشفى لأنه نادرا ما تتوفر سيارة تنقلهن إلى المستشفى ليضعن مولودهن فأحيانا يفقدن الجنين بسبب تلك الظروف الصحية السيئة.

وتزداد الأوضاع الصحية سوء خاصة بين الأطفال نظرا لطبيعة عملهم في جمع القمامة وحرقها وإعادة تدويرها, فالأطفال يستخدمون المخلفات الطبية مثل “أدوات الحقن” كألعاب يلهون به ويضعونها في أفواههم كما يلهو بهم  الفقر فيجردهم من ملابسهم فيسيرون عرايا في طرقات القرية يلهون بين تلال النفايات.

تصوير: كريم فريد - جزيرة فاضل .. لاجئون بين سندان المعاناة ومطرقة تجاهل العالم

“كان بيجيلنا معاش شهري من وزارة التضامن الأجتماعي وقفوه أكتوبر اللي فات” قالت أم فاضل موضحة أن مديرية التضامن الإجتماعي بالزقازيق قد أصدرت قرار بقطع معاش التضامن الممنوح للاجئين الفلسطينيين أكتوبر الماضي بعد تولي الدكتور محمد مرسي لرئاسة الجمهورية مما تسبب في زيادة أوضاعهم سوءا.

وقال عيد النامولي عضو أتحاد العمال الفلسطيني وأحد سكان القرية أن في عهد الرئيس السابق جمال عبد الناصر كان يساوي الفلسطيني بالمصري فكان الاجئ الفلسطيني يشعر أنه في بلده وحتي الآن يعتبر اللاجئين الفلسطينيين مصر بلدهم الثاني .

قرية جزيرة فاضل ليست الوحيدة بالشرقية التي يقطنها فلسطينيين من النازحين من فلسطين بعد النكبة بعام 1948 فهناك عدد من القري المشابهه في عدد من مراكز المحافظة ولا يوجد أي احصاء رسمي مصري أو فلسطيني أو لأي من المؤسسات المعنية بحقوق اللاجئين لأعدادهم في مصر أو أماكن تواجدهم.

وفي ظل الوضع الإنساني السئ  لسكان جزيرة فاضل وبحثا عن إجابات لأسباب تجاهل المؤسسات الدولية لأوضاعهم, أتصلنا بالأستاذ عدنان أبو الحسن المتحدث بأسم وكالة غوث وتشغيل اللاجئين التابعة للأمم المتحدة “أونروا” والذي أوضح أن مصر ليست منطقة عمليات للوكالة وأنها تقدم خدماتها للاجئين الفلسطينيين في الأردن ولبنان وسوريا ولكي تستطيع الوكالة تقديم خدماتها من مدارس ومستشفيات وإعانات للاجئين يجب أن يصدر قرار من الأمم المتحدة بموافقة السلطات المصرية وهذا يستحيل حدوثة علي حد قوله

وأوضح سكان القرية ان السفارة الفلسطينية قصيرة اليد ولا تستطيع تحسين أوضاعهم فتدعمهم بحقائب غذائية في شهر رمضان ويقوم السفير الفلسطيني بركات الفرا بزيارتهم بين الحين والأخر وقام مؤخرا بافتتاح فصل لمحو الأمية لا يوجد بها مدرسين ومضيفة للقرية وهو ما أكده السفير خلال مداخلة تليفونية مع الإعلامية ليليان داوود علي قناة أون تي في.

تصوير: كريم فريد - جزيرة فاضل .. لاجئون بين سندان المعاناة ومطرقة تجاهل العالم

في إطار فعاليات احياء ذكرى النكبة قرّر مجموعة من الشباب المصري والفلسطيني في يوم 17 مايو السير تجاه أهل فلسطين الذين يعيشون في أرض مصر ، مبعدين عن ذاكرة القضيّة الفلسطينية، ومنسيين من نظر الدولة والمجتمع، يذهبون إليهم لأولّ مرة سعيا وراء حقيقة القضية، تاريخ التهجيز، قصة مقاومة المحتل وتخاذل الأصدقاء، ويسعون إلى اعتبارهم ولو ليوم في دائرة الأهتمام بالإنسان.. فوق أيّ انتماء سياسي، وأيّ نزاع سياسي, ساعيين إلي لفت أنظار المنظمات الدولية والسلطات المصرية إلي أوضاعهم ,مؤكدين أن تحرير فلسطين يبدأ من مصر بتحرير الإنسان من معاناته.

التحقيق نشر بتاريخ 15 مايو 2013 http://onaeg.com/?p=950149

تقرير عن القرية قمت بإعداده لبرنامج الصورة الكاملة تقديم الإعلامية ليليان داوود على قناة ONTV http://youtu.be/6Vw3_C-r0O4

Categories:   تحقيقات منشورة

Comments

Leave a Reply