الفقراء يمتنعون | من مذكرات بونتو عجوز – الحلقة الثانية

الفقراء يمتنعون | من مذكرات بونتو عجوز - الحلقة الثانية

الفقراء يمتنعون | من مذكرات بونتو عجوز – الحلقة الثانية

لا أعلم إن كان ينبغي أن أفرح لعودته، أم أحزن لأنه أدرك أهميتي متأخرا؛ بعدما هجرني لأيام ظنا منه أنه يستبدل الذي هو خير بالذي هو أدنى.

أراد أن يتركني ويعود للتاكسي أو حتى الميكروباص، ليرتاح من مداعبتي له بين الحين والأخر، ولكن القدر والسيسي والحكومة منعوه، بزيادتهم لأسعار الوقود.

حينها فطن لكونى الوحيدة التي تراعي قصر يده، عاد إلى لكوني صاحبة المحرك “1400 cc”الذي طالما افتخرت به وتذمر هومن عدم قدرتي على مجاراة صاحبات ال 1600 في السرعة والتسارع.

 

واليوم أضحك من قلبي عندما أمر بإحدى محطات الوقود، لأجد نساء ورجال عابسين جالسين إلى جوار بنات عموممتي من السيارات الأكبر مني والأفضل مني محركا وجسما، اللاتي تباهين كثيرا بإمكانياتهن وأثاروا إعجاب كريم بهن وأثاروا غيرتي منهن ..

 

أراد الأكثر مني جمالا، المكيفة الباردة المريحة، والرشيقة السريعة، ونسى أني العجوز وإن كنت متصابية ولكني موفرة.

 

وهل للأنثى سعادة أكبر من عودة رفيقها إليها؟ لا تقدر سعادتي بثمن، والآن أسير الخيلاء متباهية بضعف استهلاكي للوقود والنقود، ولكن في جسدي غصة لم تزل تنغص مسامعه.

 

كيف أخفي عذابي وأنيني يسمعه الأصم! ..

 

ذلك الصوت الصادر عن الجانب الأيمن من مؤخرتي يؤلمه حقا ويؤلمني، الأطباء أختلفوا؛ البعض أشار عليه بتغيير “الطنبورة” والآخر قال أنه يمكنه علاجها بعملية خراطة، ولكنه ما لجيبه حيلة.

 

عابس، لاهث، يشع من عينيه الغضب، وقف أحدهم في انتظار ميكروباص يقله إلى عمله، بعدما تأخر لأكثر من ساعة عن موعده بسبب إضراب بعض السائقين ورفع البعض للأجره للضعف.

 

والواقف لايملك رفاهية اتخاذ قرار دفع الأجرة المضاعفة بعدما أخذ رمضان راتبه، وأعلنت الحكومة أن الفقراء ومحدودي الدخل يمتنعون.

 

هذا ما شغل بال كريم ولكني كنت أفكر في الأمر من زاوية أخرى، وددت لو أن لدي لسانا يقول له “أنظر للواقفين على حافة المذبحة ولا ينقصهم إلا إشهار الأسلحة بعدما فرط الغلاء كل السلع مسبحة رواتبهم، أحمد ربك لكوني معك وإن كنت أخف الضررين”.

 

استراح في جلسته وأستند إلى باب السيارة، ورفع صوت الكاسيت قليلا، بعدما انجذبت روحه لنغمات الموسيقى الممزوجة بصوت ريم البنا متغنية بكلمات صوفية عن حب المولى.

 

ودخل نسيم ليلة صيفية باردة، أرتطم بوجهه وأقنعه أن يتناسى عيوبي لينسى خلو محفظة نقوده، وليرتاح من معاناة الشجار المستمر مع سائقي التاكسي رافضي تعريفة العداد، وليهرب من الوقوع في فخ سائقي الميكروبصات المفترسين.

 

وهـا نحن نسير سويا، نتحدى عثرات الطرق والمطبات وزحام المحور والدائري وصلاح سالم وكوبري أكتوبر وزيادة أسعار الوقود والزيوت، ولصوص السيارات، والتنانين المجنحة التي تقود الميكروباصات والموتسيكلات الصيني والتوك توك.

 

ولكن ما لا يتحمله ردياتيري، أن يرى شرطي يأخذ رشوة ليتجاهل تحصيل الإتاوة المقننة تحت اسم غرامات المرور الجديد، ويظل كريم محاصر بين مطرقة محطة الوقود وسندان دفتر الشرطي.

 

أقرأ أيضا ..

الحلقة الأولى – بداية الحكاية 

الحلقة الثالثة – هنا شمال سيناء

 

Categories:   من مذكرات بونتو عجوز

Comments

Leave a Reply